عثمان بن جني ( ابن جني )
414
الخصائص
باب في هذه اللغة : أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط ؟ قد تقدّم في أول الكتاب القول على اللغة : أتواضع هي أم إلهام . وحكينا وجوّزنا فيها الأمرين جميعا . وكيف تصرّفت الحال وعلى أىّ الأمرين كان ابتداؤها فإنها لا بدّ أن يكون وقع في أوّل الأمر بعضها ، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه ، لحصور الداعي إليه ، فزيد فيها شيئا فشيئا ، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه ، وتأليفه ، وإعرابه المبين عن معانيه ، لا يخالف الثاني الأول ، ولا الثالث الثاني ، كذلك متّصلا متتابعا . وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول : إنه يحكى كلام أبيه وسلفه ، يتوارثونه آخر عن أوّل ، وتابع عن متّبع . وليس كذلك أهل الحضر ؛ لأنهم يتظاهرون بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة . غير أن كلام أهل الحضر مضاه لكلام فصحاء العرب في حروفهم ، وتأليفهم ، إلا أنهم أخلّوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح . وهذا رأى أبى الحسن ؛ وهو الصواب . وذهب إلى أنّ اختلاف لغات العرب إنما أتاها من قبل أنّ أوّل ما وضع منها وضع على خلاف وإن كان كله مسوقا على صحّة وقياس ، ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها ، غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفا ، وإن كان كل واحد آخذا من صحة القياس حظّا . ويجوز أيضا أن يكون الموضوع الأوّل ضربا واحدا ، ثم رأى من جاء من بعد أن خالف قياس الأوّل إلى قياس ثان جار في الصحّة مجرى الأول . ولا يبعد عندي ما قال من موضعين : أحدهما سعة القياس ، وإذا كان كذلك جازت فيه أوجه لا وجهان اثنان . والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأوّل بالقياس الذي عدل إليه الثاني ، فلا عليك أيّهما تقدّم ، وأيهما تأخّر . فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به . فأما أىّ الأجناس الثلاثة تقدّم - أعنى الأسماء ، والأفعال ، والحروف - فليس مما